نور الدين عتر

250

علوم القرآن الكريم

كثيرا قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . فإن هذه السورة تعدد للمنكرين نعم اللّه عليهم ودلالة كل نعمة على وجوب الانقياد للّه تعالى شكرا له ، وخضوعا لعظمته ، لكنهم كفروا هذه النعم فوضعوها في غير موضعها ، وكفروا بالمنعم وأشركوا به غيره فعبدوا الأوثان والشركاء ، فجاءت سورة الرحمن تحاجّهم وتحاقّهم بإيقافهم على كل واحدة منها بالحجة الملزمة ، وهكذا بالتعداد المفصل لتلك النعم والدلائل حتى تزحزح المعاند عن عناده ، وترسّخ في أعماق النفس الشعور بوجوب شكره تعالى ، فعقّب ذكر كل واحدة من النعم والدلائل بهذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . وتارة يكون التكرار مع اختلاف في نظم الجملة ، أو إيجاز أو إطناب أو نحو ذلك . وذلك يبرز سرا من أسرار إعجاز القرآن ، وهو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من أسلوب دون أن ينال تكرار المعنى من سموّ الأسلوب وإعجازه ، بينما لا يخلو كلام البشر في مثل هذا الحال من تفاوت بين الأسلوبين واختلاف مستوى الأداءين . وذلك من جملة تصريف البيان في القرآن الذي ذكره القرآن في مناسبات متعددة ، كقوله تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ . . « 1 » وقوله : وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً « 2 » . وحقيقة التصريف : « إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى ، خشية تناسي الأول لطول العهد به » « 3 » . وبهذا التصريف المعجز حقق القرآن هدفا عظيما هو خطاب الناس كافة ، من تكفيه الإشارة والموجز من القول ، ومن لا يسد خلل فهمه إلا التفصيل وهكذا تنوع أسلوب القرآن . وقد لفت هذا التصريف المعجز أنظار البلغاء وراحوا يكشفون ما في كل

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 100 . ( 2 ) سورة طه ، الآية 113 . ( 3 ) كما قال الزركشي في البرهان ج 3 ص 10 .